لم تكن زيارة مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان إلى واشنطن اعتيادية، في توقيتها ومضمونها، كانت زيارة استثنائية، حيث تزامنت مع ذروة السجال بين حكومة المنطقة الخضراء والادارة الامريكية، بشأن الاتفاقية الامنية المزمعة التي تشرع بقاء قوات الاحتلال في العراق، وتعثر التوقيع عليها حتى الان بسبب تمنع الحكومة العراقية، ومحاولتها تعديل بعض بنود الاتفاقية وخاصة تلك المتعلقة ب سيادة العراق وحصانة الجنود الاميركيين وقواعد تواجدهم !وما هو مسموح ادخاله إلى هذه القواعد من اسلحة !.
ومن هنا يمكن النظر إلى تصريحات البرزاني في واشنطن التي أعلن فيها ترحيبه باقامة قواعد عسكرية امريكية في كردستان اذا فشل التوقيع على الاتفاقية الامنية بين واشنطن وبغداد، وببساطة يمكن ربط هذه القنبلة التي قذفها برزاني في وجه حكومة المنطقة الخضراء، بتهديد الادارة الامريكية، بوقف المساعدات الاقتصادية والدعم العسكري لحكومة بغداد، وعدم الدفاع عن حدود العراق!، وهذه من سخريات القدر!.. قوات غازية احتلت بلدا تدعي انها تقوم بحماية حدوده، حتى الحماية التي توفرها قوات الاحتلال للمسؤولين العراقيين هددت واشنطن بوقفها! وهذه مفارقة كوميدية اخرى، فاذا كانت الحماية الشخصية للمسؤولين العراقيين، تتولاها قوات الاحتلال فان حديث هؤلاء المسؤولين عن السيادة يبدو غريبا ومثيرا للسخرية!.
ترحيب برزاني باقامة قواعد امريكية في كردستان وتهديدات واشنطن لبغداد لاشك انها تشكل ضغطا عنيفا على حكومة المنطقة الخضراء يصعب عليها تحمله، يضاف إلى ضغط حليف استراتيجي، وهو النظام الايراني الذي يدين حكام العراق الجدد بالولاء له، ولا يخفى ان طهران التي كانت المنتصر الوحيد من الاحتلال الامريكي للعراق، تتمتع بنفوذ طاغ سياسي واستخباري وطائفي في هذا البلد يمكنها من اللعب بالورقة العراقية في اطار المواجهة مع واشنطن، التي عنوانها الرئيسي الملف النووي الايراني، لكن من الواضح ان تمنع حكومة المنطقة يعود بالدرجة الاساس إلى معارضة ايران لهذه الاتفاقية لخشيتها من استخدام القواعد الاميركية المزمع اقامتها في أى عمل عسكري محتمل ضدها!.
والاخطر من ذلك ما ينطوي عليه تصريح برزاني، اذ انه يجسد بجلاء حقيقة حالة الانفصال الفعلي لاقليم كردستان عما تبقى من الدولة العراقية، وهذه احدى النتائج الكارثية للاحتلال ومن تعاونوا معه! فاقامة قواعد عسكرية اجنبية في الاقليم يعني تحديا صارخا لبغداد، واستفزازا وتهديدا لبعض دول الجوار، وخاصة سوريا وايران! فكيف سترد حكومة المالكي على قنبلة البرزاني؟ الارجح انها ستجد طريقة للتراجع عن السقف الذي طالبت به، وبالنتيجة التوقيع على الاتفاقية ربما مع بعض التعديلات اللفظية الشكلية، لكن الجوهر سيبقى كما تريده قوة الاحتلال !.